الغزالي

43

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

من تمتّع مع فقره وحاجته إلى أن غلبت أوزارهم ، وكثرت أوساخهم وأوضارهم . 9 - المثال التاسع : روى أبو هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « يا أبا هريرة أتريد أن أريك الدّنيا » « 1 » ؟ قلت : نعم يا رسول اللّه . فأخذ بيدي وانطلق حتى وقف بي على مزبلة فيها رؤوس الآدميين وبقايا عظام نخرة وخرق قد تمزّقت وتلوّثت بنجاسات الآدميين فقال : « يا أبا هريرة هذه الرؤوس التي تراها كانت مثل رءوسكم مملوءة من الحرص والاجتهاد على جمع الدّنيا ؛ كانوا يرجون من طول الأعمار ما ترجون ، وكانوا يجدون في جمع المال وعمارة الدّنيا كما تجدون ، فاليوم قد تغيّرت عظامهم وتلاشت أجسامهم كما ترى ، وهذه الخرق كانت أثوابهم التي كانوا يتزيّنون بها وقت الرعونة والتجمّل والتزيّن قد ألقتها الريح في النجاسات ، وهذه عظام دوابهم التي كانوا يطوفون أقطار الأرض على ظهورها ، وهذه النجاسات كانت أطعمتهم اللذيذة التي كانوا يحتالون في تحصيلها وينهبها بعضهم من بعض قد ألقوها عنهم بهذه الفضيحة التي لا يقربها أحد من نتنها ؛ فهذه جملة أحوال الدّنيا كما تشاهد وترى ، فمن أراد أن يبكي على الدّنيا فليبك فإنها موضع البكاء » . قال أبو هريرة : فبكى جملة الحاضرين . 10 - المثال العاشر : كان في زمن عيسى - عليه السلام - ثلاثة سائرين في طريق فوجدوا كنزا فقالوا : قد جعنا فليمض واحد منّا ويبتاع لنا طعاما . فمضى أحدهم ليأتيهم بطعام ، فقال : الصواب أن أجعل لهما سمّا قاتلا في الطعام ليأكلا منه فيموتا وأنفرد بالكنز دونهما ؛ ففعل ذلك وسم الطعام . واتّفق الرجلان الآخران أنه إذا وصل إليهما قتلاه وانفردا بالكنز دونه . فلمّا وصل ومعه الطعام المسموم قتلاه وأكلا من الطعام فماتا . فاجتاز عيسى عليه السلام بذلك الموضع فقال للحواريين : هذه الدّنيا فانظروا كيف قتلت هؤلاء الثلاثة وبقيت من بعدهم ، ويل لطلاب الدّنيا من الدّنيا .

--> ( 1 ) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء [ جزء 3 - صفحة 164 ] : لم أجد له أصلا .